محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )
37
الأصول في النحو
وقالوا في بيت حسان بن ثابت : فمن يهجو رسول اللّه منكم * ويمدحه وينصره سواء إنما المعنى : ومن يمدحه وينصره وليس الأمر عند أهل النظر كذلك ولكنه جعل ( من ) نكرة وجعل الفعل وصفا لها ثم أقام في الثانية الوصف مقام الموصوف فكأنه قال : وواحد يمدحه وينصره ؛ لأن الوصف يقع موضع الموصوف إذا كان دالا عليه . وعلى هذا قول اللّه عز وجل : وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ [ النساء : 159 ] وقال الشاعر : كأنّك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشنّ « 1 » يريد : كأنك جمل ولذلك قال : يقعقع خلف رجليه . وقال في أشد من ذا :
--> ( 1 ) على أن حذف الموصوف هنا بدون أن يكون بعضا من مجرور بمن أو في لضرورة الشعر ، والتقدير : كأنك جمل بني أقيش . وهذا مثال لقيام الظروف مقام الموصوف لضرورة الشعر ، والبيتان قبله لقيام الجملة مقامه كذلك . وقد أورده ابن الناظم والمرادي في شرح الألفية كما أورده الشارح المحقق . وفيه أن البيت من القسم الأول ، وهو أن الموصوف بالجملة أو الظرف إذا كان بعضا من مجرور بمن أو في يجوز حذفه كثيرا . وبيانه أن الموصوف يقدر هنا قبل يقعقع ، والجملة صفة له ، أي : كأنك جمل يقعقع ، وهو بعض من المجرور بمن ، ويكون قوله من جمال بني أقيش حالا من ضمير يقعقع الراجع إلى جمل المحذوف . وقد أورده الزمخشري في المفصل وصاحب اللباب فيما يجوز حذف الموصوف منه ، إلا أنهما جعلاه خبرا لكان كالشارح المحقق . وهما في ذلك تابعان لسيبويه ، فإنه قال في باب حذف المستثنى استخفافا ، قال : وذلك قولك ليس غير ، وليس إلا ، كأنه قال : ليس إلا ذاك وليس غير ذاك ، ولكنه حذفوا ذلك تخفيفا واكتفاء بعلم المخاطب ما يعنى . وسمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقول : ما منهما مات حتى رأيته فيي حال كذا ، وإنما يريد ما منهما واحد مات . ومثل ذلك قوله تعالى جده : " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ " ، ومثل ذلك من الشعر : كأنّك من جمال بني أقيش أي : كأنك جمل من جمال بني أقيش . انظر خزانة الأدب 2 / 137 .